أطمئننت كثيراً على حدائق روح شاعرنا سيدي محمد الراغي سدد لله خطاه وحفظه لنا منارة شامخة للأبداع ، منارة العز،و رمزا للإخاءو شعاراً لأغاني الشرفاء كيف لا وتجربته الشعرية تجربة متمرس، فهو يكتب القصيدة البيتية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ويمزج القصة القصيرة جداً بالقصيدة. وهوصوت ندي غير منشغل بالمدارس والتمذهب ولا شغوف بالأضواء ولأنه غير منشغل لا بهذه و بتلك فأنه يستعصي على التصنيف لدى هواة التصنيف فكتشف جمال النهل والعَلل،حينما يدفع الشاعر قصائده صوب فضاءٍ ثري تتلبسها فيه غواية المكان بحمولته الأيديولوجية والاجتماعية وخلفيته الوجودية عامة والسياسية منها خاصة، لكن الشاعر كسر حدة الواقعية في خطابه الدلالي بشعرية اللغة، والدلالات الموضوعية الموسمية ببعدها الطبيعي، وجدلية الرؤية بمفردات شعرية نضدها الراغي في عقدٍ بديعيٍ أنيق حينما تسربلت بلباس الواقع الممتع و الحاضرالمثيرالرائع فلقد صاغها شاعرنا بتلك الصور الفنية الرائعة والمجازات الخاطفة والتي تتراقص على نغمات وإيقاعات الموسيقى الرنانة التي تناجي الروح وتداعب ثنايا الفؤاد فتجربته الطويلة تنم عن ذوقه الرفيع وتمرسه في دروب الشعر لتدغدغ القلوب بفيض الصفاء وتكثيف الصور الفنية والمجاز الخاطف كما في قصائده (استيقظ يا فتى و طنجية سخيف و من لي سواك و غيرها كثير) والمفردات الرقيقة والإيقاع الموسيقي الرنَّان الذي أحدثه وزن المجزوء والقاموس الشعري المفتوح على مقومات خياله الواسع .
و إذا كان شاعرنا اليوم في ربيعه الرابع و الستين فما زال على صلح مع النفس، يجوب فضاءات الوجدان، ينتقل من مدار إلى آخر، يداعب كوكباً هنا ويوقظ نجمة غافية هناك؛ ليرسم على أديم وجهها لوحة عفوية الموهبة بدائية الحس عذبة الأبعاد، يمارس كامل حقوق بسطاء الناس: يصلي، يحلم، يضحك، يصرخ ويتأوَّه، يشنف اسماع الأدباء والعلماءوالحاضرين دون أن يراقب مَن يرصد أنفاسه ويسيِّج نبضاته. يحدث كل هذا عندما تداهمه حالة خدر أعرفها جيداً، مع أنني أجهل عندما يدخل فيها كل ما يحدث بين بابي الدخول والخروج، هي حالة بين الوعي واللاوعي، هي الأقرب إلى الجنون من العقل، وربما هي الجنون بعينه
لن أتحدث عن خفاياه وغرف نفسه الداخلية كما يبدو من الوهلة الأولى، فالحديث عن ذلك يحتاج إلى أكثر من هذه العجالة، فما أردتُ الحديث عنه حالات السمو والرفعة التي تداهم الشاعر الحقيقي وتفضح أسراره وتقوِّض كتمانه وتحفُّظه، الشاعر الذي ليس في جدول أعماله أنه في الساعة كذا من مساء اليوم أو الغد سيكتب قصيدة، فالقصيدة التي تعطي لشاعرها موعداً مسبقاً هي إما حرفة شاعر أو زيف مشاعر، وهي أيضاً ليست القصيدة التي يبقيها كاتبها - ولا أقول شاعرها - ربما لعدة شهور في جيبه أو بين أوراقه، وكلما سنحت له فرصة عاد إليها وأجرى عليها ما يريد من تعديل وزيادة وتشذيب وتلميع و(قص ولصق).
فالحديث هنا تستحقه قصائد كسرت حاجز الصمت، و(شطبت) بكل جرأة جدول مواعيد شاعرنا، قذفت بغفوة عابرة داعبت أجفانه من نافذتها، إستحوذت على كل ما في كله، جرفته إلى أوديتها السحيقة، وربما طارت به إلى عوالمها المذهلة، هي الهاربة منه والهاربة من الزمن الكلي إليه