القبض
بين البدعة والسنة
على ضوء الكتاب والسنّة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.
أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر ،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى
وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.
وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه:(الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً).
غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، الأمر الذي أدّى
إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولت
في هذه الدراسة أن أطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين
وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.
ورائدي في هذا السبيل قوله سبحانه: (وَاعْتَصمُوا بِحَبْلِ اللّه جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْكُنْتُمْ أَعداءً فَألّفَ بين قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتهِ إِخْواناً...) .
القبض بين البدعة والسنّة
إنّ قبض اليد اليسرى باليمنى ممّا اشتهر ندبه بين فقهاء أهل السنّة.
فقالت الحنفية: إنّ التكتّف مسنون وليس بواجب، والأفضل للرجل أن يضع باطن كفّه اليمنى على ظاهر كفّه اليسرى تحت سرّته،
وللمرأة أن تضع يديها على صدرها.
وقالت الشافعية: يسنُّ للرجل والمرأة، والأفضل وضع باطن يمناه على ظهر يسراه تحت الصدر وفوق السرّة ممّا يلي الجانب
الأيسر .
وقالت الحنابلة: إنّه سنّة، والأفضل أن يضع باطن يمناه على ظاهر يسراه، ويجعلها تحت السرة.
وشذّت عنهم المالكية فقالوا: يُندَب إسدالُ اليدين في الصلاة الفرض، وقالت جماعة أيضاً قبلهم، منهم: عبد اللّه بن
الزبير، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن جريج، والنخعي، والحسن البصري، وابن سيرين، وجماعة من الفقهاء. وهو مذهب الليث بن سعد إلاّ انّه قال: إلاّ أن يطيل القيام فيعيا أي يتعب فله القبض.
والمنقول عن الإمام الأوزاعي التخيير بين القبض والسدل.
وذهب محمد عابد مفتي المالكية بالديار الحجازية إلى أنّ السدل والقبض سنّتان من رسول اللّه وانّ المؤمن إذا طال عليه القيام وهو مسدل، قبض وقال بأنّ
السدل أصل والقبض فرع
ومع أنّ غير المالكية من المذاهب الأربعة قد تصوبوا وتصعّدوا في المسألة، لكن ليس لهم دليل مقنع على جوازه في الصلاة، فضلاً عن كونه مندوباً، بل يمكن
أن يقال: إنّ الدليل على خلافهم، والروايات البيانية عن الفريقين التي تُبيّـن صلاة الرسول خالية عن القبض، ولا يمكن للنبي الأكرم أن يترك المندوب طيلة حياته أو أكثرها، وإليك نموذج من هذه روايات: أهل
السنّة، و هو يُبيّن كيفية صلاة النبي وليست فيهما أيّة إشارة إلى القبض فضلاً عن كيفيته..
القبض بدعة محدثة
إنّ القبض بدعة محدثة ظهرت بعد رحيل الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وعمادنا في هذا السبيل حديثان صحيحان:
أحدهما مروي عن طرق أهل السنّة، والآخر من طرق الإمامية، والحديثان دليلان قاطعان على أنّ سيرة النبي وأهل بيتهعليهم السَّلام جرت على السدل في
الصلاة، وانّ القبض ابتدع بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ.
ألف: حديث أبي حميد الساعدي
روى حديث أبي حميد الساعدي غير واحد من المحدّثين، ونحن نذكره بنص البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ:
فقال أبو حميد الساعدي: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قالوا: لِمَ، ما كنت أكثرنا له تبعاً، ولا أقدمنا له صحبة؟!
قال: بلى، قالوا: فأعرض علينا، فقال: كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما مَنْكَبيه، ثم يكبّـر حتّى يقرّ كل عضو منه في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ،
ثم يكبّـر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل ولا ينصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع اللّه لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حتى يعود
كل عظم منه إلى موضعه معتدلاً، ثم يقول: اللّه أكبر، ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه فيثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يعود، ثم يرفع فيقول: اللّه
أكبر، ثم يثني برجله فيقعد عليها معتدلاً حتى يرجع أو يقرّ كل عظم موضعه معتدلاً، ثم يصنع في الركعة الأُخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبّـر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما فعل
أو كبّـر عند افتتاح صلاته، ثم يصنع مثل ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كان في السجدة التي فيها التسليم أخّر رجله اليسرى وقعد متورّكاً على شقّه
الأيسر، فقالوا جميعاً: صدَق هكذا كان يصلّي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .)
و الذي يوضح صحّة الاجتماع به الأُمور التالية:
1. تصديق أكابر الصحابة( لأبي حميد يدلّ على قوة الحديث، وترجيحه على غيره من الأدلّة.
2. أنّه وصف الفرائض والسنن والمندوبات ولم يذكر القبض، ولم ينكروا عليه، أو يذكروا خلافه، وكانوا حريصين على ذلك،
لأنّهم لم يسلّموا له أوّل الأمر أنّه (أعلمهم بصلاة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، بل قالوا جميعاً: صدقت هكذا كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يصلّي، ومن البعيد
جداً نسيانهم وهم عشرة، وفي مجال المذاكرة.
3. الأصل في وضع اليدين هو الإرسال، لأنّه الطبيعي فدلّ الحديث عليه.
4. هذا الحديث لا يقال عنه إنّه مطلق وأحاديث تقيّده، لأنّه وصَفَ وعدَّد جميع الفرائض والسنن والمندوبات وكامل هيئة
الصلاة، وهو في معرض التعليم والبيان، والحذف فيه خيانة، وهذا بعيد عنه وعنهم.
5. بعض من حضر من الصحابة ممّن روي عنه أحاديث القبض، فلم يعترض، فدلّ على أنّ القبض منسوخ، أو على أقل أحواله بأنّه
جائز للاعتماد لمن طول في صلاته، وليس من سنن الصلاة، ولا من مندوباتها، كما هو مذهب الليث بن سعد، والأوزاعي، ومالك.
قال ابن رشد: والسبب في اختلافهم انّه قد جاءت آثار ثابتة، نقلت فيها صفة صلاته ـ عليه الصلاة والسلام ـ و لم ينقل انّه كان يضع يده اليمنى على
اليسرى.
بقي هنا سؤال وهو انّه قد اشتهر انّ المالكية لا تقول بالقبض وانّ إمامهم مالكاً كرهه، وقال في المدونة: كره مالك وضع اليد اليمنى على اليسرى في
الفريضة وقال : لا أعرفه في الفريضة، مع أنّه روى في «الموطأ» حديث القبض حيث روى عن سهل بن سعد، كما روى مرسل عبد الكريم ابن أبي المخارق البصري أنّه قال: من كلام النبوة: إذا لم تستح فافعل ما شئت،
ووضع اليدين إحداهما على الأُخرى في الصلاة يضع اليمنى على اليسرى، وتعجيل الفطر، والاستيفاء بالسحور.كتاب الموطأ، . بداية المجتهد:1/99.
. الموطأ:1/158،باب وضع اليدين إحداهما على الأُخرى في الصلاة، الحديث46، 47.
ينقل ولايفتى على وفقه، فلذلك ترى في «المدونة» فتاوى تخالف ما رواه في «الموطأ» ومن كان ملمّـاً بفقهه، يرى أنّ بين ما دُوّن من فتاواه و مارواه في
«الموطأ»، اختلافاً في موارد كثيرة.
قد أشار الدكتور عبد الحميد في رسالة السدل إلى مواردها.
وعلى كلّ تقدير فقوله:«لا أعرفه في الفريضة» دليل صريح في أنّ عمل أهل المدينة على خلافه، إذ قوله:«لا أعرفه»،معناه لا أعرفه من عمل الأئمة الذين هم
التابعون الذين تلقّوا العلم عن الصحابة.
هذا هو الحديث الذي قام ببيان كيفية صلاة النبي وقد روي عن طريق أهل السنّة، وقد عرفت وجه الدلالة، وإليك ما رواه الشيعة الإمامية.ب : حديث حمّاد بن
عيسى
روى حمّاد بن عيسى، عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها
تامة» قال حمّاد: فأصابني في نفسي الذل، فقلت: جعلت فداك فعلّمني الصلاة، فقام أبو عبد اللّه مستقبلَ القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعاً على فخذيه قد ضمّ أصابعه وقرّب بين قدميه حتى كان بينهما ثلاثة
أصابع مفرجات، واستقبل بأصابع رجليه (جميعاً) لم يُحرفهما عن القبلة بخشوع واستكانة، فقال: اللّه أكبر، ثم قرأ الحمد بترتيل، وقل هو اللّه أحد، ثم صبر هنيئة بقدر ما تنفس وهو قائم، ثم قال: اللّه أكبر،
وهو قائم ثم ركع وملأ كفيه من ركبتيه مفرّجات، و ردّ ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره، حتى لو صبت عليه قطرة ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره وتردّد ركبتيه إلى خلفه، ونصب عنقه، وغمض عينيه ثم سبح ثلاثاً
بترتيل وقال: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثم استوى قائماً، فلما استمكن من القيام قال: سمع اللّه لمن حمده، ثم كبّـر وهو قائم، ورفع يديه حيال وجهه، وسجد، ووضع يديه إلى الأرض قبل ركبتيه وقال: سبحان ربي
الأعلى وبحمده، ثلاث مرات، ولم يضع شيئاً من بدنه على شيء منه، وسجد على ثمانية أعظم: الجبهة، والكفّين، وعيني الركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، والأنف، فهذه السبعة فرض، ووضع الأنف على الأرض سنّة، وهو
الإرغام، ثم رفع رأسه من السجود فلمّا استوى جالساً قال: اللّه أكبر، ثم قعد على جانبه الأيسر، ووضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، وقال: أستغفر اللّه ربي وأتوب إليه، ثم كبّر وهو جالس وسجد
الثانية، وقال كما قال في الأُولى ولم يستعن بشيء من بدنه على شيء منه في ركوع ولا سجود، وكان مجنّحاً، ولم يضع ذراعيه على الأرض، فصلّـى ركعتين على هذا.
ثم قال: «يا حمّاد هكذا صل، ولا تلتفت، ولا تعبث بيديك وأصابعك، ولا تبزق عن يمينك ولا (عن) يسارك ولا بين يديك».
ترى أنّ الروايتين بصدد بيان كيفية الصلاة المفروضة على الناس وليست فيهما أيّة إشارة إلى القبض بأقسامه المختلفة فلو كان سنّة لما تركه الإمام في
بيانه، وهو بعمله يجسّد لنا صلاة الرسول، لأنّه أخذه عن أبيه الإمام الباقر، وهو عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عن الرسول الأعظم ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ فيكون القبض بدعة، لأنّه إدخال شيء في
الشريعة وهو ليس منه. الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 1. ولاحظ الباب 17، الحديث 1 و 2.
دليل القول بلزوم القبض ثم إنّ للقائل بالقبض أدلّة نأخذ بدراستها:
إنّ مجموع ما يصحّ الاستدلال به على أنّ القبض سنّة في الصلاة لا يعدو عن روايات ثلاث:
1.حديث سهل بن سعد. رواه البخاري.
2. حديث وائل بن حجر. رواه مسلم ونقله البيهقي بأسانيد ثلاثة.
3. حديث عبد اللّه بن مسعود. رواه البيهقي في سننه وغيره.
وإليك دراسة كل حديث:
1. وللقبض أدلة أُخرى غير صحيحة كما هو المفهوم من كلام الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم :4/358، وسيوافيك الكلام فيها.