استشراف المستقبل
بقلم : ذ أحمد شوقي المغازلي
انتهى العام 1428ه و 2007م , ها نحن في العام 1429ه م2008, والتشابه ليس فقط في انتهاء العام ب 8
أو بدايته ب9 ولا في توقع الكثير من المستجدات غير المنتظرة. إلا أن استشراف المستقبل يعتمد بالضرورة على فهم الماضي والحاضر كما
يعتمد على خيارات البشر و أهدافهم.ولذاك ينبغي أن نستعين برؤية مستقبلية تشكل الإطار الذي يلتقي فيه الماضي بالحاضر
ليصب هذا وذاك في إطار رؤية مستقبلية تحدد ما نريد أن نكون عليه في المستقبل ، ودون هذه الرؤية نضيع الحاضر بأبعاده وإمكاناته ونسيء للماضي بكل قيمه وأمجاده وتراثه ودروسه
العام الصغير والقرن الشاسع لا يختلفان في أن كليهما مليء بتحديات الغيب,عبر رؤية مستقبلية تستشرف المستقبل في اجتهاد علمي هادف إلى صياغة مجموعة منالتوقعات المشروطة التي تتضمن المعالجة الأساسية لمجتمع جديدومحاولة قراءة ما سيحمله أي منهما لا تأتي إلا من قبيل التكهنات التي تظل تكهنات محتملة مهما قاربت الحقيقة أو استندت إلى جذور علمية مثقفة
ولا تقارب الممكن إلا إن حاولنا استقراء ما يمكن أن تكون عليه مجريات الأمور من خلال إعادة التأمل في معطيات الحاضر وإنجازات الماضي,هل نستطيع أن نتحكم في عنان المستقبل؟
نحن، عربيا وإسلاميا، لا نملك القوة العسكرية ولا حتى الاقتصادية بما يكفي لذلك, وفي علاقتنا المتداخلة مع مصالح العالم من حولنا
لا نملك القوة الدفاعية الكاسحة ولا القدرة التقنية المطورة البانية, وحتى ونحن نمتلك نسبة عالية من موارد الطاقة الضرورية لصناعة العالم المتطور فنحن لا نمتلك بعد , قوة الحماية التي تضمن السيطرة
الاقتصادية كما هي الحال في تبادلات السوق بين العرض والطلب.
ومع هذا نؤمن أن الطريق إلى موقع الريادة و السيطرة وضمان التحكم في عنان المستقبل ليس مستحيلا,, بل لعله أسهل مما
يتصور الكثيرون بما فيهم من يراه خارج نطاق تحقيق الأحلام. ذلك أننا لا نعتقد أنها أحلام يقظة.
لقد حققت النهوض دول صغيرة كانت على حافة التخلف قبل عشرين عاما مثل سنغافورة ونهضت اليابان بعد قرن من الانغلاق وراء
الجدران.
وفي هذه المرحلة التاريخية المضطربة من تاريخنا العربي الإسلامي الحديث وواقعنا العلمي الحضاري المتحسر على الريادة، ربما نحتاج
إلى إعادة تأمل تاريخنا العربي الإسلامي القديم لا لتمجيده بكائيا بل لنهتدي بجوهريات نجاحه وريادته.
كيف استطاع العرب المسلمون وهم أولئك القادمون من بيئة بدوية شحيحة على ممارسة سيادتهم عبر دولة اتسعت وامتدت حتى وصلت الصين شرقا
والأندلس غربا؟ وكيف أمكنهم التحكم في عنان الريادة العلمية والحضارية لعدة قرون؟ لم يكن ذلك عبر تحكيم السيف والخطط العسكرية إلا في البدء فقط, ثم ثبت العرب سيادتهم بالعلم والتطور الحضاري والوشائج
الإسلامية الراقية عبر ثلاث قارات تحتشد فيها قوميات وعنصريات وخلفيات تاريخية مختلفة.
وقتها حافظ العرب والمسلمون على موقع الصدارة في العالم الذي عرفوه بروح القيادة التي تتقبل الجميع وتستوعب اختلافاتهم الشكلية،
وإتاحة الفرصة لهم لعضوية فاعلة تشترك في صنع الحضارة الإسلامية وتساهم بالفعل في الإضافة إليها,,نعم,, لقد كان دعم الشعور بالانتماء العام قوة تدعم إنجاز المجموع, وما زلنا قادرين أن نحقق السيادة
والريادة والصدارة,,ذلكإن الاستفادة من
الحضارة يستوجب الصراع الداخلي بين الفرد وذاته، فإذا أمكنه التغلب على نوازع الأنانية والسيطرة وحب الذات أمكنه الاستفادة من الحضارة، وإلا سيظل متغنياً بها دون أن تتربع على سويداء قلبه فيظل غير
متحضر رغم كونه مدعياً للحضارة. لو تضافرت الجهود الصادقة وتركزت على البناء والتقدم وليس على الرغبات الفردية والفئوية التي تهدم وتمزق الآخرين.ومن يجيد التخطيط للمستقبل لا يفاجئه المستقبل ولا يصدمه بما لا يحب.
ذ : أحمد شوقي
المغازلي