الصفحة الدينية : مَرْضَاتِ اللَّهِ
الشباب أمانة في أعناقنا
بقلم الأستاذ : احمد شوقي المغازلي
تحصين الوعي الثقافي والفكري لدى الشباب المسلم أصبح ضرورة ملحة في هذا العصر لحمايته من الأفكار المضللة، من أجل ذلك رأيت •ضرورة الخوض في أتون هذا الموضوع، وإيجاد السبل والوسائل المناسبة لحماية أبنائنا من شباب الأمة من هذه التيارات المنحرفة والتي في حقيقة الأمر تقوم بغسل أدمغة الشباب ذلك أن المتربصون بالإسلام وأهله يحاولون ، توجيه غزوهم الفكري، نحو الشباب، فيتجهون بفكرهم وشبهاتهم، إلى أنصاف المتعلمين وأرباعهم، باستثارة نقطة معينة، أمامهم ليفسروا الأمور المحيطة، بمن يقصدون بهذا الفكر، وما يطرحون من شبهات، بما تصف الأهواء، وما يحلو في الألسنة، في عرض مغلف، بلحن القول، وتنميق العبارة.
والأفكار التي توجه إلى الشباب، مقصود بها تبنيهم مسارات الأمم الأخرى، وما لديهم من مظاهر في حضارتهم براقة، لأن أذهان الشباب فارغة، تتقبل ما يوجه إليها، لرغبة هؤلاء الشباب، في كل أمر جديد، دون التبصّر في أبعاده، وما يعود على قاعدتهم الأساسية: ديناً وخلقاً، ورابطة اجتماعية، وجذوراً عقدية.
فيرونهم أسهل مطية توصّل الفكر الوافد، إلى أعماق المجتمع الإسلامي، حتى يتقبل تلك الأفكار التي لم يتمعن الشباب، إلى أبعادها، ونتائجها على أممهم، مع قصورهم عن إدراك مساوئ ذلك الفكر الدخيل
وما ذلك إلا أن الوعاء، لم يحصّن، وتحمى جوانبه عن تقبّل كل وافد بدون رويّة، ولذا نرى تلك الأفكار الموجهة نحو الشباب، وراءها ما وراءها، في تصيد مدروس، لمن يريدون تقبّلها، فتعطى على جرعات: فكرية وثقافية، وترغيب مع مقارنات، يعجز إدراك الشباب عما ترمي إليه، لعدم الحصانة.
ولذا فإن من الحصانة المرجوة للشباب، تغذية أفكارهم، وتعبئة أذهانهم بفكر صحيح وسليم، مستمد من قاعدة راسخة، هي الحصانة الدينية والخلقية، حتى تتحصن أفكارهم بالأمور الجيدة، مثلما تتحصن الأجسام، باللقاحات ضد الأمراض، قبل وقوعها.
وما ذلك إلا أن الشباب أمانة في أعناق أولياء أمورهم، كما أنهم الجوهرة الثمينة في جيد الأمة، فإذا بدأ معهم الاهتمام بالفكر السليم مبكراً ليأخذوه ويزيدوا عليه مع نموّهم العقلي، ليرسخ بذلك في أعماقهم خطر الفكر الخاطئ ليحذروه، ويبتعدوا عنه عندما يعرض عليهم.
فإن قدوتهم في هذا مثل ما قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومقولته يحسن أن ترسخ عند الشباب كقاعدة تتأصل جذورها في محك التلقي، الذي يكبر مع نمو أجسامهم، وهي مقولة: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة الوقوع فيه. لأن من أدرك الشر وعرف مساوئه، سيبتعد عنه، ولا يبقى في ذهنه مكان إلا للخير، ولذا أخبره رسول الله عن المنافقين في المدينة، فكان يعرفهم واحداً واحداً. فالشباب إذا وجهوا التوجيه السليم، وأدبهم من حولهم: من أب وأم، وقريب ومدرس، فترة التفتح بالآداب التي أدب بها الإسلام، أبناءه منذ أشرقت أنوار هذا الدين، في بِطاح مكة، بالرسالة الخالدة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، من عند ربه طاهرة نقية، فأخرج الله بها الناس من ظلمات الجهل، إلى نور الهداية والحق. وتربى عليها جيل الشباب الأول لهذه الأمة. فكانوا خير من استضاءت أذهانهم بنور اليقين، وتهيأوا لحمل الرسالة: تلاميذ أوفياء خلف معلمهم صلى الله عليه وسلم ومعاضدون لأصحابه الكرام، في مسيرة البناء، بأفكار صافية ومدركة، لما ساروا إليه من واقع التعاليم.
وهذه الولاية تتحدد حسب مراحل النمو عند الشاب، ومع تفتح ذهنه، لمعرفة أنماط الحياة، حيث يتساوى مع نمو الجسم، نمو فكري، تتضح معالمه، بحسن ما يتلقى في ذهنه من مادة ترسخ فيه: إيجاباً أو سلباً، فكما أن الجسم يكبر وينمو بالغذاء، فكذلك الفكر تتسع مداركه بالرعاية والعناية وحسن التوجيه. ومن هنا ندرك مقولة أحد التربويين إن ذهن الإنسان من باب التمثيل، وهو موضع الاستيعاب عند الشباب، كالإناء الفارغ، يتأثر بما يوضع فيه، فإن كان منذ الصغر من يرعى شؤونهم، ويهتم بحسن تربيتهم، قد اهتم و حرص بألا يوضع فيه إلا شيئا نافعا، وعلما وفكارا سليما، وتربية طيبة، استمر أثره في حياة كل شاب، بحصانة فكرية سليمة، وآداب وسلوكيات ناضجة.
أما إذا أهمل من يرعى شؤون الرقابة على أولئك الشباب، وأضاع الأمانة التي استرعاه الله إياها، فترك هذا الوعاء الفارغ لمن يضع فيه ما غث من الأفكار الخاطئة، وما ساء من التعليم، فإنه لا يترقب من هذا الشاب، الذي أضاع وليه توجيهه وتعليمه، وتركه للثقافات الرخيصة في وسائل الإعلام، أو للأيدي الآثمة، في العلاقات والمصاحبات، المفتوحة،و قرناء سوء و فضائيات مفضوحة.إلا شر معاملة و سوء عشرة.
فإنه لن يجني على نفسه، وإنما أيضاً سيجني على ثمرة فؤاده، ذلك أنه ليس ابناً له وحده، وإنما هو ابن للأمة، وعضو يجب أن يهيأ ليكون عاملاً في مجتمعه، نافعاً لبني جنسه.
فالولي بهذا الإهمال، قد فرط في مسؤوليته، ولن يحصد إلا ما بذر، وكل إناء بما فيه ينضح. وتوجيه الشباب عن الأفكار الخاطئة، وتعليمهم التعليم السّليم، لا يكون وليد ساعة، أو يتكوّن بين عشية وضحاها، حتى إذا تخطّفت الأيدي الآثمة، ذلك الشاب في سعي حثيث لجذبه لمنحدر يضرّ بنفسه، من حيث لا يدري، ويمس كيان الأمة ويسيء إلى من حوله، يبدأ من حوله يفرك يديه، ويفتح عينيه، بعد إساءته إلى من حوله.
عند ذلك يندم ذلك الذي تحمل ولايته، على تفريطه، وعدم متابعته، ولات ساعة ندم. ليبدأ تصحيح مساره وذلك مع أن الغصون لا تلين، وتستقيم إذا كانت من الخشب فكيف نحمي عقول شبابنا من الأفكار المضللة؟
إن الثقافة مثل الهواء للإنسان لا يمكن الاستغناء عنها، ولذلك لابد من تطبيق التربية الإسلامية الصحيحة للشباب المسلم منذ صغرهم وحتى كبرهم، وخاصة خلال فترة ما قبل المدرسة وبعدها
وأن نتمكن من إنتاج ثقافي متميز، وعدم اللجوء إلى الثقافات الدخيلة الأجنبية، حتى يتمكن الشباب من الحفاظ على هويتهم الثقافية الأصلية
ونحن في هاجس دائم بشأن الأمن الفكري ، وصلنا إلى قناعة أنه قد يكون هو أساس مظاهر الأمن الأخرى كيف ذلك؟ في البدء لابد من وقفة تعريف موجزة للاتفاق على المقصود بالأمن الفكري، نعني: بالأمن الفكري الثقة العقدية، فلا يمكن أن يكون أمناً فكرياً مضطرب العقيدة، وعلى النقيض من ذلك ينعم من تمتلىء نفسه ثقة بعقيدته بطمأنينة فكرية ينبني عليها بلا شك كل أمنه وأمن مجتمعه، والمؤمن آمن حتى في خضم الحرب وليس على ذلك من مزيد
إن الأمن في الروح والعرض والمال، ماهي في الحقيقة إلا انعكاس مباشر وتلقائي، لبنية أمنية تحتية تشغل فكر الإنسان وتحتل ذهنه
والمجتمع الآمن فكرياً يكون بالضرورة وكنتيجة حتمية آمنا في أجساد وأعراض وأموال افراده، وهذا منطقي جداً، فالتصرفات الإنسانية هي، في التحليل النهائي، استجابات لأوامر عقلية تمليها قناعات أو ضرورات فكرية،
وللاضطراب الأمني الفكري بيئة مواتية لا يكون إلا فيها وله بذور لا ينمو إلا منها، أما بيئته فتكون بغياب الوعي المنبثق من خصوصية المجتمع وفكره الذاتي، وتكون بغياب العدالة في المجتمع وسيادة الطبقية فيه، وتكون بفشو الجهل وسيطرته على عقول أبنائه، وتكون عندما ينشب الفقر أنيابه في المجتمع، والمفسد عندما يركز نظره على مجتمع يبحث عن هذه التركيبة، فإذا لمحها في مجتمع سدد سهامه إليه، وبدأ باطلاق تلك السهام على الضعاف من أفراده، والضعاف هم من تتوفر فيهم أكبر نسبة من مقومات هذه البيئة
ان الوعي الثقافي والفكري لدى الشباب المسلم اصبح ضرورة ملحة في هذا العصر، حيث نجد ان قطاعا عريضا من الشباب المسلم يتعرض لما يمكن ان نسميه بعملية غسيل أدمغة تهدد هذا الشباب بالتعرض للعديد من الأخطار والتي منها: اغلاق العقل عن تقبل الفكر الآخر وتمحيصه، وقتل روح الابداع لدى الفرد ومن ثم الجماعة، والدوران في فلك أُطر فكرية محددة، واعمال قاعدة ان لم تكن معي فأنت ضدي، كما تؤدي الى الانغلاق والانعزال عن الواقع السياسي والحضاري والاقتصادي والاجتماعي، وعدم معايشة هذا الواقع، وبالتالي فإن الحكم على هذا الواقع لن يكون سليما، لأن الحكم على شيء فرع من تصوره، كما أنها تؤدي الى الانحراف ومن ثم الغلو والتطرف الفكري
ان الأخطار التي يتعرض لها شباب الأمة من تعرضهم للأفكار المضللة والتوجهات الحزبية المنحرفة فيقول: ان ذلك يؤدي أيضا الى هدر مقدرات الأمة المتمثلة في أهم عنصريها وهما الشباب والوقت، اضافة الى المقدرات الأخرى وبالتالي اعاقة التنمية، وكذلك تفكك المجتمع المسلم بل والبيت المسلم نتيجة لهذه الأفكار، حتى انك لتجد الخلافات والضغائن في البيت الواحد نتيجة لهذه الأفكار والارتباطات الحزبية، ويأتي ضعف الارتباط الأسري نتيجة لتغلب الارتباط الحزبي بشكل مباشر حينا، وبأشكال غير مباشرة أحيانا أخرى
كما تتعرض الأمة الى اسقاط هيبة الحكام والعلماء، وعدم تقديرهم ووضعهم في المكان اللائق بهم، والابتعاد عن مناصحتهم واعانتهم على القيام بشؤون الأمة، والتمحور حول الأشخاص والرموز بشكل أعمى واضفاء نوع من القداسة عليهم، وهذا خلاف القاعدة الاسلامية بأن الرجال يُعرفون بالحق وليس الحق يُعرف بالرجال
ولمواجهة هذه الأفكار والتيارات والتوجهات ينبغي عدم الاكتفاء بالجهود الفردية والاجتهادات الآنية، فلا بد من وضع استراتيجية مواجهة شاملة يشارك في تنفيذها البيت، والمؤسسة التعليمية، والجهاز الاعلامي، والمؤسسة الدعوية والارشادية،
ويمكن ان تركز هذه الاستراتيجية على تنشئة الفرد تنشئة اسلامية شرعية صحيحة منذ الصغر تربية وتعليما، بحيث يكون لديه الحصانة الذاتية لنقد الأفكار وعدم تقبلها و الإدعان لها آليا، وهنا يأتي دور الأسرة، ودور المنهج التعليمي، ودور المربي والمدرسة و المحيط الإجتماعي.
وان ينهض علماء الأمة ومفكروها بدورهم تجاه مجتمعاتهم وأمتهم، وان يمسكوا بزمام الدعوة الى الله ويكونوا قادتها وموجهيها على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلف هذه الأمة الصالح
كما يجب تفعيل رسالة المسجد واعادة دوره كمكان لايصال العلم الشرعي لعامة المسلمين، بأساليب ميسرة ومتناسبة مع ظروف العصر، وتحت اشراف علمي وتربوي سليم، وكذلك قيام وسائل الاعلام المختلفة بدورها في نشر الوعي لدى عامة المسلمين، وتحذيرهم من أخطار مثل هذا الفكر المنحرف ودحضة وتعريته
أيضا يجب على الجميع مؤازرة السلطة السياسية للعلماء، وتمكينهم من أداء دورهم في الدعوة الى الله، وخير مثال حي يحتذى في هذا المجال فتح الحوار مع الشباب وتقبل آرائهم ومناقشتهم بأسلوب غير منفر، وإشراكهم في معالجة مشاكل أمتهم، ولا يخفى ما لهذا الأسلوب من أثر عليهم واحساسهم بتحمل المسؤولية، وبالتالي أثره على انتاجهم وفعاليتهم تجاه أمتهم ومجتمعاتهم، وذلك خير لهم ولأمتهم من ان يسقطوا في براثن الأفكار الأحادية السوداء، كونهم عاملين تحت الضياء والنور خير من العمل في الظلام والهدم
و لنا همسة في أذن كل شاب في بلادنا بأن لنا في هذه البلاد خصوصية نختلف فيها عن غيرنا، فبلادنا قامت على أساس من الدعوة الى الله بالحكمة والمنهج الحسن، والدعوة لدينا جزء من وظيفة الدولة التي جندت لها أجهزة كاملة تعنى بهذا الأمر، ، وبها نخبة من العلماء المحققين الذين قل ان تجد لهم مثيلهم في صفاء المشرب وصدق التوجه والنصح لله ولرسوله وللمؤمنين،ولدينا مؤسسات علمية تعنى بهذا الجانب على نطاق كبير، فنحن لسنا بحاجة الى ان نستورد من غيرنا أفكارا لسنا بحاجة اليها، وبعيدة عن عقيدتنا ومنهجنا وقيمنا القائمة على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومنهج سلفنا الصالح، فإن فعلنا ذلك كنا كمن استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فلنكن مؤثرين لا متأثرين، ولننقي أفكارنا وتوجهاتنا من كل شائبة لا تعود علينا أفرادا ومجتمعات إلا بكل سوء، ولنا في تجارب غيرنا عظة وعبرة، فالسعيد من وُعِظ بغيره لا بنفسه والحمد لله أولا وآخرا
ان الأمة الاسلامية إذا أرادت عزا لا يلحقه ذل، وغنى لا فقر بعده، فإن على ابنائها ان يتمسكوا بالفضيلة ويبتعدوا عن الرذيلة وألا يقولوا ما لا يفعلون -فالله لا ينظر الى الصور والأشكال بل الى القلوب والأعمال
فعلى أبناء المسلمين ان يحذروا الشواذ من الأمة، وان يبتعدوا عن التطرف والمغالاة، فديننا دين وسط، لا إفراط فيه ولا تفريط
كتب هذا المقال لجريدة صدى الجهة بتاريخ 03 يونيو 2008.