الفاسد لم يعد يخجل من فساده
(( لم تعد لدينا مشكلة في التعامل مع الفاسدين لأننا أصبحنا نخافهم، والفاسد نفسه لم يعد يخجل من فساده لأن القيم تبدلت، والثوابت لم تعد تلك التي تربينا عليها من خير وشر ولم يعد العيب سابقا عيبا اليوم، في الماضي كان المرتشي يمشي في الحارات مطأطئً رأسه، يخشى أن يعلم أحد جيرانه أنه ارتشى، وأن في جيبه ريال حرام، أما اليوم فهو نفسه يتفاخر بمكتسباته ومعارفه وماله الحرام، ولم يعد الفاسد يخشى الناس بل انتقل الخوف الينا، أصبحنا نحن من نخاف الفاسدين، لإدراكنا أن الفاسد باعه طويل، وله نفوذ كبير مهما بلغت درجة فساده أو نوعه، ويستطيع الوصول الى مسؤول والتأثير فيه، لأنه متقن لعمليات التزلف ومسح الكابا، أما فيما يخص المعاملات الرسمية فنحن من نبحث عن الموظف الفاسد ولا نتحاشاه، ونفضله عن الموظف الشريف لأن التعامل مع الموظف الفاسد سيكون أسهل من التعامل مع الموظف الشريف، لأن الفاسد سيسهل علينا أي معاملة مهما كانت درجة تعقيدها، ويسرعها، وهنا أؤكد أن المعاملة التي تكون بين أيدينا هي قانونية مئة بالمئة، ولكن سرعة إنجازها هو الغاية، أو فيما يتعلق بالخدمات فنحن نسعى خلف موظف الهاتف الفاسد وموظف البريد الفاسد وموظف الجباية الفاسد لأن هذا سيلبي طلباتنا بسرعة ودون روتين، اذ يستطيع أن يقدم الخدمات الى المنزل برشوة بسيطة أو اكرامية كما يسميها دون انتظار الدور ، وشرطي المرور الذي يقبل اكراميته اسهل من آخر يصر على تطبيق القانون وهم اصلا نادرون، وهناك موظفون لا يرتشون ولكنهم يقبلون الهدية وهذه الهدية قيمتها بحسب قيمة مركز هذا الموظف، فهناك ثقافة عامة وهي الثقافة الاكثر انتشارا بين الناس وهي ثقافة تقبل الفساد والذي يعتبر أخطر من الفساد نفسه، أن مجتمعنا المغربي تعرض في فترة الحرب العالمية الثانية الى نوع من الانحلال الاجتماعي بحيث ضاعت عوامل الضبط الاجتماعي، وفقد الضابط الديني الذي كان يحدد تصرفات الفرد بالحلال والحرام، وفقد الضابط الاجتماعي فما هو عيب، كان في الماضي يعتبر ضابطا قويا لتصرفات الافراد وكانت الاسر مجتمعة تخشى على سمعتها وتلتزم بالقيم الاجتماعية والاخلاقية، وتحمل قيمة لكبيرها أي كبير العائلة فكلامه قانون، وبالتالي فالفاسد مهما كنت درجة فساده ونوعه لم يكن يجرؤ على الفساد حتى لو أراد ذلك أو حتى لو كان مضطرا للفساد، والناس كانوا يستطيعون أن يجاهروا برفضهم للفاسد لأنهم الاكثرية ولأنهم الأقوى، ولكن منذ خمسين عاما الى اليوم تبدلت المنظومة الضابطة للاخلاق الاجتماعية بشكل كبير، فظهرت تيارات نخبوية، تمردت على القيم السائدة واعتبرت قيم العيب تخلفا، والرادع الديني تزمتا غير مبررا، ولكن هذه النخبة
لم تكن تقبل الفساد، ولا تروج له، ولكنها لم تضع ضوابط بديلة لتلك الضوابط التي الغتها،فاصبحت المنفعة هي المعيار الاساسي في السلوك، هذا على مستوى التطبيق العلمي للنظريات الاجتماعية على الواقع، أما على المستوى الاعمق، فعبر زمن ليس بالقليل فق والفاسد نفسه لم يعد يخجل من فساده د الفرد الثقة بالسلطة التنفيذية متمثلة بالقضاء، وساد مفهوم المصلحة، والمحسوبية، والواسطة. ثم بدأت تطفو على السطح قضية تردي الاوضاع الاقتصادية للمواطن، وعدم كفايته من مرتبه أو أجره، ما دعاه ضمنيا الى تبرير الفساد المالي، لنفسه، ولغيره على حد سواء، وما زاد الامر سوءا الاضطراب الذي بدأ يتلمسه المواطن لدى مؤسسات ادارته، الذي لمسه من خلال سياسات الاستيعاب الجامعي التي أهلت أطر وخرجتهم لكنها لم تستوعبهم في سوق العمل، ما يدفعهم الى محاولة الحصول على عمل إما من خلال الرشاوى، أو الواسطة، أو انهم سيختارون الطريق الفاسد أخلاقيا كالنصب والاحتيال، أو الاتجاه الى طرق فساد أخرى من شأنها أن تقيهم العوز، وبالتالي هؤلاء ليس فقط سيتقبلون الفساد، وإنما سيصبحون جزءا من منظومته، وقواه المدافعة عنه..