جريدة صدى الجهة مراكش
عنوان المقال : الوسطية والاعتدال
بقلم الأستاذ : احمد شوقي المغازلي
إن الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه في حاجة إلى رجال يملأ قلوبهم الإخلاص والصدق ويملأ عقولهم الوعي والعلم والمعرفة ، يعرضون الإسلام فيحسنون عرضه ويدافعون عنه فيعز جانبه وتعلو رايته ، وهم في كل ذلك يسيرون على خط الوسطية والاعتدال .....
ولو أن المسلمين استجابوا لهدي الله ورسوله فاعتمدوا الوسطية في أخلاقهم وسلوكهم وخطابهم لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا .
إن الإسلام في أيامنا هذه أحوج ما يكون إلى من يحسن عرضه على الناس والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة وجوهر ذلك الاعتدال في الخطاب والحرص على كسب العقول والقلوب ؛ وذلك لا يتأتى إلا بالابتعاد عن التطرف وعن تبني الآراء المسبقة لإرغام الناس على الأخذ بها ، يجب أن لا نحصر الألوان في لونين فقط إما أبيض وإما أسود بل لابد أن نعترف أن هناك ألوانًا أخرى وكذلك لابد من وقف المحاولات التي يبذلها المتطرفون – الذين لا يرون العالم إلا من خلال مناظيرهم – لإقصاء من يخافهم الرأي أو الفهم ولو كان على ملتهم ودينهم، وحجتهم في ذلك نصوص مبتورة عزلوها عما سبقها ولحقها ، وتخندقوا وراءها فلم يعرفوا لها علة ولا مناسبة ، أو أقوال لمن سبقهم يتعصبون لها دون إدراك لملابساتها أو الظروف الموضوعية التي قيلت فيها وإنما هو تعصب وتقليد وإتباع أعمى
إن الإسلام جاء ليرفع عن الناس الإصر والأغلال ، ويضمن لهم حياة طيبة ملؤها السعادة والاستقرار ، فكتابه الكريم يقول : " وما جعل عليكم في الدين من حرج " ، " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " ، ونبيه صلوات الله وسلامه عليه هو الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، وفقهاؤه العباقرة هم الذين استنبطوا القواعد الفقهية التي تضمن سعادة الناس واستقرارهم من خلال استقرائهم لنصوص الشريعة وأحكامها ، فقالوا : المشقة تجلب التيسير ولا ضرر ولا ضرار ، والضرورات تبيح المحظورات ، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة .. إلخ وقد جاء وصف الأمة في القرآن بالوسطية صريحًا في قوله تعالى :" وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا "
إن شارع هذا الإسلام هو خالق هذا الإنسان، فمن المحال أن يشرع هذا الخالق من الأحكام والنظم ما يعطل فطرة الإنسان أو يصادمها. وقد خلقه سبحانه على طبيعة مزدوجة: فردية و جماعية اجتماعية في آن واحد. فالفردية جزء أصيل في كيانه، ولهذا يحب ذاته، ويميل إلى إثباتها وإبرازها ويرغب في الاستقلال بشؤونه الخاصة.
ومع هذا نرى فيه نزعة فطرية إلى الاجتماع بغيره، ولهذا عد النفي أو السجن الانفرادي عقوبة قاسية للإنسان، ولو كان يتمتع داخله بما لذ وطاب من الطعام والشراب.
والنظام الصالح هو الذي يراعى هذين الجانبين: الفردية والجماعية الاجتماعية، ولا يطغى أحدهما على الآخر. فلا عجب أن جاء الإسلام ـ وهو دين الفطرة ـ نظاما وسطا عدلا، لا يجور على الفرد لحساب المجتمع، ولا يحيف على المجتمع من أجل الفرد، لا يدلل الفرد بكثرة الحقوق التي تمنح له، ولا يرهقه بكثرة الواجبات التي تلقى عليه، وإنما يكلفه من الواجبات في حدود وسعه، دون حرج ولا إعنات، ويقرر له من الحقوق ما يكافئ واجباته، ويلبي حاجته، ويحفظ كرامته، ويصون إنسـانيته يقول الله عز وجل في محكم كتابة الكريم (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا...) الآية 143 من سورة البقرة.
أن الوسطية مفهوم للاعتدال ومقياس للأعمال البشرية التي تتعلق بالحياة البشرية بكافة توجهاتها المختلفة وأنماطها المتعددة إلا أن من حرص البارئ عز وجل على هذه الأمة أن جعل لها هذا المفهوم وهذا المقياس للحفاظ على توازنها وملائمة مصالحها للسير على خط مستقيم لا عوج فيه ولا انحدارات ..عندما نحلل معنى الوسطية يتبين لنا أنها تعني الوقوف على خط الوسط .. مما يعني أنه لو ابتعدنا عن هذا الخط إلى جهة اليمين نكون قد بالغنا بأنفسنا فوق المستوى المطلوب وهذا يسبب تعارضاً مع مفهوم الوسطية ويٌحدث بعض المتغيرات على تصرفات الفرد وسلوكياته إلى أن يٌغرق نفسه حتى الثمالة ... وكذلك الابتعاد عن خط المستقيم إلى جهة اليسار سيؤدي بنا إلى الهبوط والانحلال المفرط وهذه الانتكاسة تسبب قي اغلب الأمور أنها تٌفقد المرء دينه وقيمه ومبادئه الإسلامية لتضع لنا مخلوقاً جديداً يحمل الفكر الجاهلي ما قبل الإسلام ولا يهمه في هذه الحياة إلا إشباع ذاته وشهواته بأي وسيلة كانت !!..
لنسلط الضوء على واقعنا المعاصر اليوم وننظر إلى حالة المجتمعات بكافة أجناسها وأعراقها ومذاهبها ومعتقداتها نجدها متأرجحة الكفة تارة نجدها تصعد للأعلى حتى تصل إلى المبالغة والغرور والاستعلاء والتكبر وتارة نجدها تهبط للحضيض ليخيم الظلام على سماؤها ... فهل بدأنا في الهبوط تدريجياً وهذا ليس تشاؤمًا ولا افتراء إنما هو تجسيد لواقعنا فلننظر إلى تصرفاتنا وقيمنا وعاداتنا ومبادئنا ..فهل هو هبوط أم صعود أم ثبات على الوسط كما أراده الله عز وجل لنا ؟!!..
كتب هذا المقال لجريدة صدى الجهة بتاريخ 12 دجنبر 2008