Overblog Tous les blogs Top blogs Mode, Art & Design Tous les blogs Mode, Art & Design
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU

Publicité

استلاب الفكر

استلاب الفكر

الفكر نشاط ذهني لتفسير التعاليم الدينية، ومرتكز للمعايير والقيم ومنبع التصور التكاملي للكون والحياة وملاذ لكل نتاج العلوم والمعارف يهيمن على الجنان ويسير الأركان فمنه تتبلور ولاءات الفرد، وتنطلق انتماءاته وقد بين ابن خلدون مدى طواعية الحواس وانقيادها للفكر قائلاً (ولما كان العدوان طبيعياً في الحيوان جعل لكل واحد منها عضواً يختص بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره وجعل للإنسان عوضاً من ذلك كله الفكر واليد فاليد مهيأة للصنائع بخدمة الفكر) ولما كان للفكر دور القيادة والهيمنة على نوازع الإنسان وتطلعاته فقد مر عبر الحقب التاريخية إلى هجمات حربية شرسة حاول فيها أربابها نقل حضارتهم وثقافتهم على فوهة البندقية وعنق المدفعية لبسط نفوذهم على أي طيف بشري أو شريحة إنسانية تتحضر بغير حضارتهم أو تنهج نهجاً يصادم قيمهم وسلوكهم وحينما باءت تلك الهجمة المجية بالفشل وأصيب متولوا كبرها باليأس والإحباط جراء عدم نجاحهم في تحقيق مرادهم بالقوة والعنف جنحوا إلى الاستلاب الفكري وكانوا يتطلعون من وراء ذلك إلى تضليل الوعي واعتساف النفس لتسير مسلمة بما يملى عليها من متطلبات دون أدنى مخالفة أو رفض لدورها المزمع لها.

وعندما نتقصى أبرز المراحل الاستلابية للفكر نجد أن أوروبا واجهت أعتى حملة استلابية للفكر من الكنيسة بعد أن فرضت على رعاياها قضايا عقدية وطقوساً دينية.    وحجبت أسرارها يسُجُف قدسية أمام من يدفعه حبُّ المعرفة للتساؤل عن حقيقتها أو عن حكمها وطالبت بالتسليم لها دون نقاش حتى لا تكتشف نواياها ومزاعمها وسعت سعياً دؤوباً لسد جميع السبل المؤدية إلى تحريك العقل وإيقاظه من غفوته تحت غطاء الدين واعتبرت السؤال عن تلك الطقوس التعبدية كفراً، وموجوب الطرد والإبعاد عن الرعاية البابوية وماذاك إلا لعلمهم التام بأن تلك الطقوس الدينية لا تصمد أمام تلك المناقشات بل ستتداعى أصولها عندما يتفكر العقل في حقيقتها ويتأمل أبعادها.

فسيَّرت الكنيسة العقل أسيراً لذل طغيانها وجعلته في ليل بهيم مجرد من ملكات التفكير؛ حتى لا يخرج عن طاعة الكنيسة ولا يبرح حظيرتها بل يظل تحت شرائعها وطقوسها عاكفاً، ولأوامرها ممتثلاً.

(يصف تشارلس ديكنز مشهداً من مشاهد الذل الروحي الذي كان يمارسه رجال الدين الكنسي فيصف شارعاً من شوارع باريس والمطر ينهمر بقوة والشارع مملوء بالطين والأقذار والوحل وموكب الكاردينال أحد (مستلبي فكر الناس آنذاك) على حصانه يمر في الطريق والناس محتشدة على صفين ترقب ذلك المشهد بقلوب خائفة واجفة وتنتظر اللحظة الهائلة التي يحاذي الموكب فيها رؤوسهم فتهوى الرؤوس خشوعاً ومذلةً للمركب الموقر وتظل تهوى حتى تلتصق بالأرض في الوحل والطين والقاذورات).

تسليم وتبعية عمياء حظيت بها الكنيسة بعد أن استلبت الفكر وانقادت له الجوارح بإذعان تام مع رهبة وخشية في أداء تلك الشعائر الكنسية من غير فينة في ذلك.

ومن يشع في فكره شذرات تأمل وتفكر فتحدوه إلى اكتشاف علمي يؤول به الأمر إلى محاكم التفتيش حيث هناك يلقى جزاءه الأوفى والتاريخ الأوروبي يقدم مشاهير أمثال كوبر نيكوس وجاليليو خرجاً عن جوقة العميان فكرياً وصدعوا باكتشافاتهم لكروية الأرض فكان مآلهم للسجن والحرق ليكونا شهيدي الحقيقة والإرادة وبعد أن وصلت مصادرة العقل منتهاها واستلاب الفكر غايته وضاقت البرية ذرعاً بصراع العلماء مع رهبان الكنيسة تمخض عن ذلك الصراع ثورة عارمة ضد القيود الكنسية فاهتبل اليهود تلك الثورة وركبوا موجتها ووجهوها لما يخدم مآربهم وأطماعهم فولجوا قلوب الناس من ثغرات أحدثتها الكنيسة كان من أبرزها محاربة العقل والعلم فدعموا النهضة العلمية التي غشيت أوروبا لتهيئ لهم تولي مقاليد الأمور وتمهد لهم السبيل في استلاب الفكر بعد انزياح دور الكنيسة عن مسرح الأحداث وروجوا الكثير من النظريات العلمية ومن أبرزها نظرية دارون التي أسماها (التطور والارتقاء).

ونظرية فرويد في علم النفس ونظرية (العقل الجمعي) لدوركايم في علم الاجتماع وجميعها تصب في مستنقع عفن هدفها أن تصل إلى غاية مفادها إيجاد قواسم مشتركة بين الإنسان والحيوان وترمي من وراء ذلك إلى اجتثاث جذور الدين من القلوب المشرئبة به ونزع القيم الأخلاقية وإزالة جميع المعايير الإنسانية التي يستمد الإنسان منها كرامته وبها يتسامى عن الدنايا الحيوانية وما ذلك إلا ليتسنى لهم تسيير الأمميين والوصاية على عقولهم ليتحقق لهم ما يصبون إليه.

ولم يكن الفكر في الشرق العربي بمنأى عن الاستلاب فلقد أظلته أزمنة حاولت أطراف تغيير صورة المجتمع الثقافية عبر بوابة العنف والبطش وجيشت جنوداً لأجلها وانطلقت بثورة الزنج وانبثقت من البصرة ولكنها ما لبثت أن اصطدمت بإرادة المجتمع فآلت الأمور بها إلى حيث لا اقتناع فكري ولا استقرار مكاني مما جعل أصحابها يعيدون الكرَّة يائسين من فشلهم في المحاولة الأولى ولكن عبر وسيلة سلمية ترجمتها رسائل الصفا وخلان الوفا أخفوا أسماءهم وبثوها في مهيع الثقافة آنذاك وهو سوق الوراقين وأظهروا أن مقصدهم من تلك الرسائل يهدف إلى تجديد الشريعة وتنقيتها من الجهالات ولكن مضمونها يسفر عن نوايا مبطنة تهدف إلى إذابة الفوارق بين الأديان ودس كثير من الفلسفات المتصادمة مع حقيقة الدين ليحصل المؤمل من وراء ذلك وهو استلاب المجتمع فكرياً ليتمكن لهم تطويعه والهيمنة عليه ومن ثم تشكيل العقول حسب الرؤى التي تتماهى مع متطلباتهم وتوافق أهدافهم.

ولا تزال أحداث الاستلاب الفكري مستمرة الفصول فإن توحدت الغايات فالأساليب متجددة بتجدد الأيام مستغلة كل جديد تهبه الحياة لأبنائها ومما وهبته ابتكارات الحياة في هذه الأيام الإعلام الذي ولج المنازل وملك أزمة الأفئدة وأعنة العقول وأصبح مورداً معرفياً يتسابق الناس إليه كل يلقي دلوه لينهل منه بغيّته التي يشتكي منها عطش الجهل مما جعل بعض الأطراف تستغل ذلك المورد الذي يزدحم الناس عليه لتبث فيه سمومها مستلبة فكرهم بعد أن تنمط تلك اللوثة بأنماط شتى تارة عبر برامج تصبغها بصبغة ثقافية لتناقش فهيا مُسلَّماً دينياً أو قضية من قضايا الشرع كقضية الجهاد أو حجاب المرأة أو ولاية المرأة وتزيل عنه ستار القداسة ليلغ الناس فيه بأهوائهم فتجعله كأي قضية اجتماعية ممنوحة متسعاً من هامش الحرية، أو تعمد إلى الإسقاط التاريخي عبر المسلسلات الدرامية فتتناول شخصية كأبي نواس أو حماد عجرد وتسهب في سرد حياة المجون واللهو والعبث التي مارسها كل واحد في حياته وتعممها على ذلك العصر لتبين للمشاهد بأن المسلمين الأوائل يعيشون حياة ترف وخنا والنتيجة التي يتلمسونها من وراء ذلك تشويه التاريخ الإسلامي، أو تعمد إلى رموز الحضارة الإسلامية أمثال خالد بن الوليد أو الأمين والمأمون أو عمر بن عبدالعزيز فتسم تاريخهم بالاستبداد والهيمنة على الرعية أو تسمه بالصراع الدائم واستحلال الدماء والأموال من أجل السلطة وما ذاك إلا لتلغي الأعمال البطولية التي يتشرف التاريخ بتدوينها في سجلاته وتسقط رمزاً بطولياً وصورة القدوة المثلى الذي بنى مجداً وفتح دنيا ونشر حضارة ليذهب الجيل بعد هذا الاستلاب الفكري إلى إشباع رغبة الاقتداء بشخصيات لا تمت لدينها وأمتها بلون ولا لغة ولا نسب وربما قفزت تلك المسلسلات على خط القيم والسلوك موغلة في دراما العشاق والحكايات الغرامية التي ترفع العشيقين في مصاف الأبطال حيث كسرا سورة القيم والأعراف وحقق مراميهما رغم الصعاب فالرذيلة جاءت في زي الفضيلة كل ذلك لنزع الحشمة من الأفئدة فهل يا ترى بعد هذا تستيقظ الضمائر في ذواتنا أم نظل في سباتنا لننتظر ماذا سيكشف لنا مستقبل الأيام من حيل استلابية للفكر إني أتساءل؟

Publicité
Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article