Overblog Tous les blogs Top blogs Mode, Art & Design Tous les blogs Mode, Art & Design
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU

Publicité

اتق النار ولو بشق تمرة

جريدة صدى الجهة مراكش
 عمود : ساعة حقيقة                          
 عنوان المقال : اتق النار ولو بشق تمرة
                                                       بقلم الأستاذ : أحمد شوقي المغازلي
تحتاج حياتنا بين الحين والحين إلى تجديد يعيد لها قوة الإيمان، ويحيي فيها نبض العقيدة، ويُنمّي فيها إحساس العبودية لله تعالى، ويدفع بها نحو ربها عز وجل وهي نادمة على معصيته, مجتهدة في طاعته.
تجديد يعيد إلى القلب رقته، فيخشع لآيات القرآن الكريم، ويتدبر في معانيها، وينقاد لحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويهتدي بسنّته. تجديد ينتقل بالنفس من رتابة الأداء في العبادة إلى حضور القلب فيها، والإحساس بجمالها ومبانيها، ويقف بها عن المعاصي والمحرمات، ويبعث فيها الأمل بسعة الرحمة، وقبول التوبة، وغفران الذنوب ومحو السيئات. تجديد يتحول بحياتنا لتكون أكثر قرباً من الله تعالى، في فكرنا وأعمالنا ومعاملاتنا وعلاقاتنا.
وأعظم فرصة لتجديد الحياة، وزيادة الإيمان، هي أفضل الأزمنة وأشرف الأوقات، حين يدنو الله تعالى من عباده، ويفتح لهم أبواب المغفرة، ويجزل لهم العطاء، ويكون العمل أرجى للقبول، والدعاء أقرب للإجابة. والنفس بحاجة في كثير من الأحيان إلى ما يحفز فيها النشاط، ويشوّقها إلى التغيير، وهاهي ذي أيام شهر رمضان، ، جاءت بما أودع الله تعالى فيها من فضائل، لتوقظ الهمم، وتُنشط النفوس، فليس هناك شهر جمع من خصائص الفضل، وأسباب السعادة، كشهر رمضان.
ها نحن أدركنا الشهر الكريم العظيم الذي تقرر فضله في الكتاب والسنة ، لن أتناول الحديث عن الصيام و منزلته و فوائده في هذا المقال فجل المغاربة يصومون و يصلون ولكن يقبضون أيديهم عن فعل الخير و يعجزون وهم قادرون فما نحن عاملون بوصية رسول الله ص الذي كان أجود بالخير من الريح المرسَلة «  اتق النار ولو بشق تمرة »..؟...
جاء الإسلام لاقامة مجتمع التكافل والتراحم وخاطب المؤمنين ألا يقفوا عند حد الشعارات والشارات قال تعالى: « ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون» .. فالإنسان مخلوق في هذه الدنيا لهدف والمال الذي أنعم الله به عليه هو وديعة في يده ليوظفه في مصالح العباد وينفقه في أعمال الخير قال تعالى: « وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه.. » .. وقال رسول الله  ص«ليس منا من بات شبعانا وجاره جائع» ذلك أنه " ما جاع فقير إلا بتخمة غني " إن التعاليم التي جاء بها الإسلام فيها مصلحة للفقير ومصلحة للغني، فالفقير يجد من يساعده في حل مشاكله والغني تنمو ثروته بدعوة الفقير وبالأجر المضاعف الذي ادخره له الله في الآخرة قال تعالى: « إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم.. الآية » .والإكثار من الصدقة والإنفاق في ضروب البر هما مفتاح الدعاة والمصلحين للقبول ونيل الرفعة والظفر بالسؤدد في الدنيا والآخـرة؛ إذ تُطـهَّر بذلك النـفوس، وتُطـفَأ الخـطايا، وتتضاعف الحسنات، وبها يُستظل في المحشر، ويُتقى من النار، ويُدعى لدخـول الجنان.. تضافرت بذلك النصوص والآثار، ومنها قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103]، وقوله ص: «من أنفـق نفـقة في سـبيل الله كُتـب له سبـعمائة ضـعف»، وقوله ص: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفصَل بين الناس»،
أما في الدنيا فهي تنمي الإيمان، وتُعظِم التوكل، وتزيد الطمأنينة، وتعمق حسن الظن برب العالمين سبحانه، وتدفع البلايا والمصائب، وتغلق أبواب السوء، وتشرح الصدر، وتفرح القلب، وتنيل الشرف، وتزيل الشح، وتتغلب على هوى النفس، وتستر العيوب، وتستميل النفوس، وتظفر بثقتها ومودتها.
وقد أدرك سادات الدعاة والمصلحين هذه الجلالة للبذل والصدقـة، والمنـزلة الرفيـعة للكـرم والجـود فتحـلَّوْا بذلك، فهذا الهادي البشير، إمام المرسلين، وقدوة المصلحين ص كان أجـود الناس وأسخاهم، تواترت بذلك شهادات الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم؛ فعـن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله ص أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن؛ فَلَرسولُ الله ص أجود بالخير من الريح المرسَلة»، وعن خادمه أنس رضي الله عنه قال: «ما سئل رسول الله ص على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، قال: فجـاءه رجـل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قـوم! أسلموا! فإن محمداً يعطي عطاءً، لا يخشى الـفاقة»، وعـن جابر رضي الله عنه قال: «ما سئل رسول الله ص شيئاً قط فقال: لا». وفي قصة الشملة التي أُدِّيَتْ للنبي ص وكان محتاجاً إليها ولبسها، فسأله إياها أحد الصحابة فنزعها، وطواها ثم أرسلها إليه، فعاتبه القوم قائلين له: «ما أحسنتَ سألتها إياه؛ لقد علمتَ أنه لا يرد سائلاً».
ولم تكن تلك سجيته وحده ص بل كانت خُلُقَ الأجلَّةِ من أصحابه الكرام رضي الله عنهم، والذين كانوا ضياء الإسلام، ومن قامت على أكتافهم مسؤولية نشره وتعليمه والدعوة إليه، فهذا الصدِّيق الأكبر أسلم وفي منزله أربعون ألف درهم، فخرج مهاجراً وما له غير خمسة آلاف، كل ذلك ينفقه في الرقاب والعون على الإسلام، وتصدق في غزوة تبوك بماله كله، وهذا الفاروق عمر يخرج نصف ماله، وهذا عثمان يشتري الجنة من رسول الله ص مراراً، حين جهز جيش العسرة، وحين حفر بئر رومة، وحين اشترى أرض المسجد ليُوسَّع، وله مثلها في الجنة، حتى قال ص مرتين: «ما ضر عثمانَ ما فعل بعد اليوم»، وهذا عليٌّ خرج من أرضه في ينبع ليصرف الله تعالى عن وجهه النار يوم القيامة.. ، وهذا سعد بن عبادة كان يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصُّفَّة يعشِّيهم.هذا غيض من فيض؛ وإنفاق كبار الصحابة رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار وبذلهم في سبيل الله تعالى أوسع من أن يحصر.
أما نُشَّار العلم وسادة الصحب الكرام في الدعوة والتربية فقد كانوا آية في الخروج من الدنيا ومعرفة الآخرة والإيثار لها؛ فهذه عالمة النساء عائشة رضي الله عنها كانت تقسم سبعين ألفاً، وهي ترقع درعها، وفرقت في اليوم الواحد مائة ألف درهم، وهي صائمة فتقول لها خادمتها: «ما استطعتِ فيما فرقـت اليـوم أن تشـتري لنـا بـدرهـم لحماً نفطر عليه؟ فقالت: لا تعنِّفيني، لو ذكرتيني لفعلت»، وهذا ابن عمر رضي الله عنهما كان يقسم في المجلس الواحد ثلاثين ألفاً، ثم يأتي عليه شهرٌ ما يأكل فيه مـزعة لحـم ، وكان لا يعجـبه شيء من ماله إلا خرج منه لله ـ عز وجل يتأول قوله تعالى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، وهذا ابن عباس جاءه رجل يستعينه على دَيْن، فقال له: كم دَيْنُك؟ قال: عشرون ألفاً، فأعطاه أربعين ألفاً وعشرين مملوكاً وكل ما في البيت»، وهذا حافظ الإسلام أبو هريرة كان في بادئ إسلامه يُصرَع من الجوع، فلما كان في آخر عهده امتلك داراً بذي الحليفة فتصدق بها على مواليه ، وهذا الإمام الجهبذ ابن مسعود كان متخلياً عن الدنيا، يقول: «من أراد الآخرة أضر بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة، يا قوم: فأضروا بالفاني للباقي». وهذا مقدام العلماء معاذ كان رجلاً سمحاً، لا يُسأَلُ شيئاً إلا أعطاه، حتى ادَّان دَيْناً أغلق ماله، وهذا أبو الدرداء آثر اليوم الباقي على الفاني. وهذه إشارة، وإلا فمَنْ طالعَ سِيرَ القوم وجد الأمر غاية في الجلال والعظمة.
وكيـف لا يكون مصابيح الدجى بهذه الحالة، وقد جلى النور المبين في أكثر من آية أن من أبرز ركائز النجاة وأسس التقوى: الـبذل والإنفـاق في صـروف الخـير وما ينتـصر به الدين. قال تعالى في تعداد خِلال عباده المتقين: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: 3]، وقال سبحانه: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْـمَحْرُومِ} [الذاريات: 17.19]. وفي المقابل جاءت السنة المطهرة مظهرة أن الحرص على الدنيا والشح بمتعها منطلق شرٍ وسبيل هلكةٍ ومستودع النقائص والخلال الذميمة. يقول ص: «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلاكها بالبخل والأمل»، وقال ص «إياكم والشح؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالشح: أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا»
فالشح بالدنيا والتكالب على متعها يتنافى مع النسيج الذي يربي عليه الإسلام أتباعه. قال حبيش بن مبشر: «قعدت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والناس متوافرون، فأجمعوا على أنهم لا يعرفون رجلاً صالحاً بخيلاً». قلت: وإذا كان ذلك مع عامة الصلحاء؛ فما حال السادة المصلحين من الدعاة والعلماء الذين لن تجتمع حولهم القلوب، ولن ينالوا ثقة الناس ويظفروا بمودتهم ما لم يتخلقوا بالكرم ويتصفوا بالجود فيرتهنوا بذلك لدى عامة الناس الشكر، ويسترقوا بمعروفهم أحرار الخلق؛ لأن من جاد ساد، ومن بخل رذل، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ساداتُ الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء»
وتتأكد الحاجة إلى الجود حين يغرق الكثيرون في أوحال الترف، والتعلق بزخرف الحياة الدنيا، ويفقدون التوازن والقدرة على الجمع السوي بين تطلُّب الدنيا والعمل للآخرة، ولله در حاتم الأصم حين قال: «من ادعى حب الجنة من غير إنفاق ماله فهو كذاب»
كما تتأكد في أوقات حصار أعداء الأمة للعملين الدعوي والخيري وسعيهم الدؤوب لتجفيف المنابع والقضاء على الموارد المتاحة من خلال عامة الأمة، لتعظم المسؤولية عندها في القيام بمشاريع البر وأعمال الخير وما فيه نصرة الدين وتأييده، وما لم يبادر الجميع إلى ذلك كلٌ بحسب وسعه وطاقته فإن العاقبة هي الفشل، والخاتمة هي الهلكة؛ إذ الدعوات لا تقوم إلا على جسـور تضحية أبنـائهـا وأعمدة بذلهم، ولله در الصحابة الكرام الذيـن كانوا يـرون فـي أوقـات الأزمـات أن لا حق لأحدهم بما زاد عـن حاجته، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضـي الله عنـه قال: «بيـنما نحـن في سفر مع النبي ص إذ جاء رجـل على راحـلة له، فجـعل يصـرف بصره يميناً وشمالاً، فقال رسول الله ص من كان معه فضل ظهرٍ فليعد به على من لا ظـهر له، ومـن كـان له فـضل من زادٍ فليعد به على من لا زاد له، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل»
كما تتأكد في فترات تنفير الناس عن الخير، والقيام بمحارية الإسلام، ليكون في الجود عند ذلك حراسة للعرض، وستر للعيب، ونباهة للذكر، وتأليف للقلوب، وقضاء على كثير من المكائد المحبوكة والأخلاق المرذولة.
فلنؤد شكرَ نعمة ربنا علينا بالعمل وليس بالكلام: ﴿اعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ:13) ..
ولنهتم بشئون إخواننا المسلمين فإنه: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"، وأخوك المسلم يتلفت يمينًا وشمالاً من عَوَزه وحاجته فهل تكون عونًا له؟ فلا تحقرن أخي المسلم العطوف المحب للخير من المعروف شيئًا، فقد قال النبي ص: "اتق النار ولو بشق تمرة"، فهيا نتقي زمهرير جهنم بمساعدة إخواننا بكل ما نستطيع.
                                      كتب هذا المقال لجريدة صدى الجهة بتاريخ 11 شتنبر 2007
 
Publicité
Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article