الصفحة الدينية : جَوَامِعُ الكَلِمِ
وبذلك يحبهم الله
بقلم ذ : أحمد شوقي المغازلي
المنهج الأخلاقي الإسلامي في العلاقات مع الناس:
إنصاف الناس ومواساتهم للفوز بمحبة الله ونيل رضوانه
لقد خطِّط الإسلام للمنهج الأخلاقي الإنساني في تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان، ليكون من خلال ذلك قريباً من الله، ومقبولاً عنده تعالى، وموقعاً لرضاه، ولاستحقاقه دخول الجنة؟ فقد وردت عدة أحاديث عن رسول الله(ص) تتناول تعامل الإنسان مع الناس، سواء كان هؤلاء الناس قريبين إليه في وضعه العائلي، أو بعيدين عنه في المواقع الاجتماعية الخاصة أو العامة.
«كان رسول الله(ص) يقول في آخر خطبته: طوبى لمن طاب خلقه ـ وطوبى تمثِّل الكلمة التي قد يراد بها موقعاً في الجنة، أو قد يراد بها درجةً رفيعة عند الله، فطوبى لمن طابت أخلاقه فأخذ بالمنهج الأخلاقي في حياته الاجتماعية، بحيث كان صادقاً أميناً ينفتح على آلام الناس ليشاركهم إياها، وعلى مشاكلهم ليحلّها لهم، وعلى أوضاعهم ليركز التوازن فيها، وليُدخل السرور على المؤمنين، منطلقاً في ذلك من الأسس التي تتطلب منه أن يتعامل مع الناس معاملةً طيبةً، بحيث يشعر الناس معه بالخير والراحة ـ وطهرت سجيَّته ـ والسَجِيّةّ هي الطبيعة الإنسانية التي تتمظهر في التخلّص من رذائل الأخلاق والأمراض النفسية ـ وصلحت سريرته ـ بحيث كانت نيّته نيّة الإنسان الذي يحبّ الناس من حوله، ويريد لهم الخير وينصحهم، فلا يحقد عليهم، ولا يغشّهم ولا يجور عليهم ـ وحسنت علانيته ـ بحيث كان يتحرك في علانيته بالتعامل الحسن في علاقاته الاجتماعية ـ وأنفق الفضل من مالهـ ما فضل عنه من المال ممّا كان زائداً من الكفاف، أو أخرج من حقوق الله تعالى في ما كلّفه الله به ـ وأمسك الفضل من قوله ـ لم يتحدث باللغو والهذر والباطل ـ وأنصف الناس من نفسه»، ينصف الناس في تعامله معهم بكل ما يتعلق بحقوقهم، وبكل ما أراده الله لهم منه، فإذا كان للناس حقٌ عليه، فإنه لا يحتاج إلى أن يقدّموه للقضاء ليحصلوا على حقوقهم، أو أن يضغطوا عليه في سبيل ذلك، بل هو يحبّ لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لها.
فسيد الأعمال ثلاثة ـ فهذه الأعمال تقع في موقع القمة من المنهج الأخلاقي الذي يحبّه الله ويرضاه ـ إنصاف الناس من نفسك حتى لا ترضى بشيء إلا رضيت لهم مثله ـ ماذا تريد لنفسك؟ أن يعزّك الناس ويحترموك ويؤدّوا لك حقوقك ولا يعتدوا عليك؟ إذا كان هذا ما تريده لنفسك، فهو للنّاس أيضاً ـ ومواساتك الأخ في المال ـ أن تواسي أخاك عندما يحتاج إلى مالك، فتمنحه منه ما يفضل عن كفافك، أو حتى في بعض الموارد أن تؤثره على نفسك ـ وذكر الله على كل حال»، أن تذكر الله، سواء كنت جالساً أو قائماً أو ماشياً؛ أن لا يغيب الله عن عقلك أو قلبك وإحساسك ولا عن حركتك.
ولكن هذا الذّكر «ليس سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فقط ـ فذكر الله لا ينحصر باللسان بما اعتاد الناس أن يذكروا به ربهم تسبيحاً وتحميداً وتوحيداً وتكبيراً، وإن كان هذا من ذكر الله ـ ولكن إذا ورد عليك شيء أمر الله عزّ وجلّ به أخذت به، وإذا ورد عليك شيء نهى الله عنه تركته»، أن يكون الله حاضراً في كيانك، بحيث إذا أقبلت على ما فرضه الله عليك وما أوجبه من العبادات والحقوق، فإنك تذكر موقع الله في نفسك، فتخشاه وتأتي بما فرضه عليك، وإذا وقفت أمام محرّم، فإنّك تذكر الله وتذكر عقابه وتتطلب رضاه وتبتعد عن سخطه، فتترك ذلك كله.
أن الإنسان الذي ينصف الناس من نفسه، بحيث يفتح عقله وقلبه، وينفتح بعمله على يرفع مستوى الناس وما يحقِّق لهم الراحة والعزة والكرامة، فإن ذلك يؤدي إلى أن يأخذ الإنسان بأعلى ألوان العزّ. يقول علي رضي الله عنه «ألا إنّه من ينصف الناس من نفسه، لم يزده الله إلا عزاً».و «ثلاثة هم أقرب الخلق إلى الله عزّ وجلّ يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب: رجل لم تدعه قدرة في حال غضبه إلى أن يحيف على من تحت يديه ـ الشخص الذي يملك القوة والقدرة بحيث لا يستغلهما على من هم دونه من الناس الضعفاء، كما هو الحال في الزوج الذي يملك القوة أمام زوجته أو أولاده الضعفاء، أو صاحب العمل الذي يملك القوة على عمّاله وموظفيه، ليكون في موقع رضا الله ـ ورجل مشى بين اثنين ـ حكم بينهما أو أصلح بينهما ـ فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشُعَيْرَةٍ ـ فالحَكَمُ لا بد من أن يكون موقفه موقف المساوي بينهما، فلا يميل إلى أحدهما دون الآخر، لأن ذلك على خلاف العدل ـ ورجل قال الحق فيما له وعليه»، بحيث يشهد بالحق حتى على نفسه، ويعترف للآخرين بالحق الذي لهم عليه في أي جانب من جوانب الحقوق. عبادة الله ونيل رضاه:
وورد في السيرة النبوية الشريفة عن أعرابي سأل النبي(ص) أن يعلّمه عملاً يدخله الله به الجنة، فقال(ص): «ما أحبَبْتَ أن يأتيه الناس إليك فأْته إليهم، وما كرهت أن يأتيه الناس إليك فلا تأته إليهم». ،جاء في الأثر أن الله «أوحى إلى آدم(ع): إني سأجمع لك الكلام في أربع كلمات؟ قال: يا ربي وما هنَّ؟ قال: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين الناس. قال: يا ربّ بيّنهنَّ لي حتى أعلّمهنّ؟ قال: أما التي لي، فتعبدني لا تشرك بي شيئاً ـ من حقي عليك أن توحدني فلا تشرك بي ولا تطع غيري ـ وأما التي لك، فأجزيك بعملك أحوج ما تكون إليه ـ أعطيك الثواب على عملك الصالح في يوم القيامة في الوقت الذي أنت أحوج الناس إليه ـ وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعليّ الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضاه لنفسك».
«قال رسول الله: ثلاث خصال من كنّ فيه، أو واحدة منهن، كان في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله ـ بحيث يقف الناس يوم القيامة بدون ظلّ، إلاّ هؤلاء الذين يملكون هذه الخصال أو واحدة منهن، فإنّ الله يظلّهم بظلّ عرشه، من هم هؤلاء؟ ـ رجل أعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم، ورجل لم يقدّم رِجْلاً ولم يؤخّر أخرى حتى يعلم أن ذلك لله رضى بحيث إذا أراد أن يعمل عملاً أو أن يدخل في أي معاملة أو أن يحدد لنفسه أي موقف أو موقع، فإنه لا يدرس المسألة على أساس رضى الناس، بل يركِّز حركته في هذا العمل أو الموقف أو المعاملة لتكون على أساس رضى الله تعالى، وهكذا في كل حياته؛ في بيته، ومحل تجارته، وفي موقفه السياسي والاجتماعي، وفي التزامه بهذا الاتجاه أو ذاك ـ ورجل لم يعب أخاه المسلم بعيب حتى ينفي ذلك العيب عن نفسه ـ فكّر في عيوبك قبل أن تتحدث عن عيوب الناس، لأنك لست سالماً من العيوب ـ فإنه لا ينفي منها عيباً إلا بدا له عيب، وكفى بالمرء شغلاً بنفسه عن الناس».
هذا هو منهج الإسلام، ومنهج رسول الله(ص) وعلى الناس أن يتحركوا في الأخذ بهذا المنهج الأخلاقي الروحي الإنساني، حتى يقرّبهم الله تعالى إليه، وحتى يقربوا إلى الناس، وبذلك يحبهم الله.
كتب هذا المقال للصفحة الدينية : جَوَامِعُ الكَلِمِ
بجريدة صدى الجهة بتاريخ 03 يوليوز 2007.