
هل من فهم صحيح لرسالة الحياة
المغازلي أحمد شوقي بقلم
Mac-hotmail.fr.over-blog.fr
الناس العقلاء يدركون أنهم ما شاورهم أحد يوم مجيئهم إلي الدنيا.. إذن جيء بالناس رغماً عنهم.
والذي جاء بهم وأوجدهم هو خالق السماوات والأرض وما فيهما.. وهو الله سبحانه وتعالى الذي أوجد الإنسان فيما أوجد وجعل له رسالة يؤديها في فترة زمنية محددة.
هذه الرسالة التي يقوم الإنسان بأدائها في الدنيا.. هي رسالة دنيوية توصل إلي السعادة في الآخرة.
ولذا جاء اهتمام القرآن الكريم بالدنيا: باعتبارها ظرف مكان وزمان لدورالإنسان في الحياة.
فارتباط الإنسان بالدنيا ارتباط عمل وأداء وبناء والآيات التي جاءت في القرآن الكريم في هذا المجال كثيرة.
ولكن مما يؤسف له..أن الناس وجدوا من يكره لهم الدنيا و ينفرها لهم حتي أصبح أكثر فقراء الدنيا وأكثر المتسولين والمرضى والمتهوسين من المسلمين. لقد حذر الله من مغبّة نبذ العمل وتعطيل منهجه عن التنفيذ, فذمّ أولئك الذين لم يكن حظهم من دينهم الا قراءته ودراسته, فقال في حق علماء بني اسرائيل:{ مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا}. ويبدو أن الناس لم يدركوا أن العمل للدنيا عبادة توصل إلي الآخرة.
والمسلمون في هذه الأيام لا يعانون من أزمة جهل بالاسلام قدر ما يعانون أزمة التطبيق الواقعي لما يعرفونه من الاسلام. فعلماء الاسلام كثيرون ولله الحمد, والكتب التي تتحدّث عنه غزيرة, والدعاة اليه كثيرون, ومراكز تعليمه متعددة ومنتشرة في كثير من أصقاع الأرض, والصحافة والاذاعات وسائر وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية تتكلّم عنه بصورة مقتضبة أو مفصّلة, ولو أحصينا رصيد كل مسلم مما يحفظه من دينه لوجدنا أنه لا أقل من أن يحفظ آية أو سورة صغيرة من القرآن, ومن الحديث حديثا أو حديثين, ومن الأحكام الشرعية حكما أو حكمان. وهذا القليل الذي يحفظه لو طبّقه بحذافيره لكان كفيلا بفلاحه ونجاحه وخلاصه من كثير من أزمات عيشه واضطرابات حياته, ولكنّه حيث لم يطبّق هذا القليل بقي غارقا في ظلمات العيش متخبّطا في لجّج الصراع الدائر في الحياة , لا يهتدي الى سبيل الخلاص , و لقد جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم " لو تركتم عشر ما أمرتم به لهلكتم, ويأتي على الناس زمان لو فعلوا عشر ما أمروا به لنجو". والله سبحانه وتعالي يقول في سورة الذاريات:" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
ومما هو واضح : أن ما النافية إذا دخلت علي الفعل "وما خلقت" وتلاها استثناء "إلا" أفادت الحصر أي حصرت خلق الإنس والجن في عبادة الله.. والعبادة في الاسلام لها معني عام أشمل من المعني الاصطلاحي المعروف.. والمعني العام يعني: كل قول للمسلم اتجهت نيته فيه إلى كونه يقوم به طاعة لله تعالى وامتثالاً لأمره.
وهنا يدخل في معني العبادة: كل عمل دنيوي قصد فيه معنى طاعة الله تعالى وإن كان فيه حظ النفس والرغبة.
وحين نضع في الذهن هذا المعني الشامل تسقط على الفور كل دعوى باطلة لفصل جانب من الحياة عن الدين والعبادة.
فالعبادة في الاسلام تدعو إلي الوحدة والجماعة وهي أساس لوحدة التفكير ووحدة المفاهيم الأساسية في الحياة. بل ووحدة القيم والفضائل وقواعد السلوك والسعي إلي كل خير.
ولذلك فالعبادة في الاسلام تنتهي إلي نتيجتين:
أولهما: الاتجاه إلي تربية الوجدان الديني الذي يجعل المؤمن مؤتلفاً مع غيره ليتكون من هذا الائتلاف مجتمع إنساني متواد.
وثانيهما: أن غاية العبادة بناء الإنسان في حركة الحياة.
إذن أولئك الذين يوجهون الناس إلي كراهية الدنيا والتحذير منها ليسوا علي صواب لأنهم تسببوا في تخلف أمة الإسلام وركونها إلي الفقر والتسول و التأخرو الضياع.
ومما يؤسف له ان هذا الاتجاه الذي يبعد الناس عن حركة الحياة بدأ في وقت مبكر وقد نلحظ هذا في كثير من المؤلفات التي يتداولها الناس ويقرءونها.
ومما هو واضح أن هذه المذاهب التواكلية استطاعت أن تنقض على المسلمين من أبواب الزهد وحب الفقر وكراهية الدنيا فصنعت مرويات وحكايات حاولت بها جاهدة أن تصرف الناس عن العمل والإنتاج والأبداع والتجارة والزراعة والصناعة فتقاعس الناس عن الحركة الفاعلة البانية.
وأصبح المسلمون كما تري أمة هامشية لا شأن لها ولا اعتبار في عالم متقدم يتحرك في سرعة مذهلة